توجد قصة شهيرة للفيلسوف المسلم ابن طفيل، وهى قصة حى بن يقظان، وقد تتبع الكثير من الكتاب أحداثها إلى أن صدرت لنا فى أشكال مختلفة ومتنوعه؛ الأشخاص هم هم، ولكن الأحداث تختلف قليلا وفقا لما قد يراه الكاتب من تواؤم مع مقصده.
ولنا هنا فى بداية مقالنا تمهيد نتتبع فيه أحداث القصة من منظور كتاب “قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن” لصاحبه الشيخ نديم الجسر. تتبع الشيخ أحداث القصة، وأخرج لنا من بين ثناياها حكايته الخاصة معنونة بقصة الإيمان.
والتى بدأت بشاب اسمه حيران بن الأضعف، ذلك الفتى الذى شب يدرس على يد الفقهاء يتعلم أساسيات دينه، حيث كان فى حالة دائمة من الشك والحيرة، دائم التكرار للجمل الاستفهامية الفلسفية ( كيف؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ ومن؟ … ) يسقطها على كل شيء.
ولكن لم يكن هناك من متفرغ ليبحث عن إجابات؟ ليجابه بالنبذ على أسئلته المتكررة، ويسوء حاله، أخذ حيران نفسه بيده وهام فى الأرض بحثا عن شيخ دله عليه أبوه، واسمه الشيخ الموزون الذى يزن أفكاره قبل نطقه به؛ لتخرج مشرقة كإشراق الشمس مصحوبة بصياغة جزلة متينة من نور أشعتها.
وهناك فى البستان حيث ضريح إمام الإسلام الشيخ البخاري، وجد حيران شيخه متعبدا فدخل عليه وأستأذنه التعلم منه. فأذن له ومضى الشيخ يحكى لحيران قصة حي بن يقظان. الفتى الذى شب فى جزيرة نائية ـ كانت أمه قد أضاعته فيها ـ وظل يتدبر كل ما حوله حتى انتهى إلى وجود الله.
وقد نبه الموزون حيران قائلاً: أي بنى إن الفلسفة بحر لن تجد فى شواطئه إلا اللجج حيث يكون الغرق، وستجد فى أعماقها الإيمان حيث معرفة الله.
تدبر حيران كلام الشيخ وتيقن بأن العامة ممن حاوطوه ما كانوا قط ليشغلوا جل يومهم فى التخبط بشواطئ الفلسفة مخافة الموت غرقا فى لججها العاتية، وإنما كانوا يتناولون الأمر ببساطة، ولسان حالهم يقول: هيا فلنبتعد عن هذا الشاطئ، ولنترك أعماقه لمن هم أهل لتعدى مثل هذا الشأن الجلل من اللجج.
استنتج حيران أنه لهذا جوابه من مشايخه بالنبذ، فلم يسخط أو يكره أحداً منهم وسامحهم على ما كان قد بدر منهم من نبذ له، فما كان ذاك إلا خوفاً عليه من الغرق فى شواطئ الفلسفة.
وعلى إثر هذه القصة أذكر حادثا: إذ ناولت أحدهم ذات يوم كتاب الإسلام بين الشرق والغرب للرئيس على عزت بيجوفتش فرده على بعد يوم، قائلا: ولم الفلسفة ووجع الدماغ يا بنى؟ أليس الله من رفع تلك السماء وخلق هذه الأرض؟ خذ كتابك فأنا لا أريد أن أٌقرأه.
إن كان الأمر كما تقول فلماذا إذن تبحث عن إجابة لسؤالك المعنون؟ دعوى أطرح سؤالا: كم مرة شغلتك نفسك بهذا السؤال المؤرق “من خلق الله؟” وأخذت تبذل الجهد وتتحمل العنت والمشقة وهممت تدفع السؤال عن ذهنك بالاستغفار والاستعاذة من ذلك الشيطان اللعين الذى سنح لك فى لحظة من لحظات الصفاء، قد جاء ليعكرها عليك عارضا مهاراته البهلوانية على مسرح الشك القابع داخل عقل كل منا.
حتما لقد دار سؤالنا ذاك فى جميع العقول، وإن لم يكن قد لاح لك عزيزى القارئ من قبل فها أنا ذا قد أجبرتك علي أن تطرحه على نفسك. إن مجاهدة الشيطان ودفعه لأساس متين للإيمان، بيد أنه قد حلت ظروف خاصة جعلت من تدفق الشبهات حولنا أمرا هينا فى عالم أصبحت فيه المعلومات بمخلتف جوانبها تنهال علينا من كل حدب وصوب.
أقول بأنه يكفيك أن تأخذ جولتك اليومية الهادئة لتتبع صفحتك العلمية الأثيرة لتجد حسابا ما قد وضع لك تعليقا ينتقص فيه من أفكار الدين ويلعن جهل معتنقيه ثم يعرض لك شبهة ما ويهرب سريعا. خذ جوله أخرى على “اليوتيوب” لتجد جماعة ليست بالقليلة من دهماء الملاحدة يسوقون لك فلسفات بائدة وشبهات قد ردت من قبل، ولكن أنى للعامى البسيط أن يعرف ذلك.
فالآن وبعد أن كان العامى فى عصر سابق يأخذ إجابة مباشرة على سؤاله بدون بيان لأسباب الفتوى، أصبح هذا المسكين يتعرض لوابل من الشبهات والتفاصيل المقلقة فى شئون الدين. وقديما وقت عرض الشبهات كان لا ينبرى للتصدى لها سوى كبار العلماء والفقهاء، ولكن أنى لهم اليوم أن يتفرغوا لهذا السيل الجارف من صغائر الشبهات المنتشرة قى ثنايا المواقع الاجتماعية وصفحات الإنترنت؟
إن مثل هذا الوضع يحتم علي الفرد االتجهز بالقدر الكافى من العلم لرد ما يبدر وما سيبدر له من شبهات تحوم فى سماء العالم الرقمى.
من خلق الله؟
لقد أجمع عدد من كبار الفلاسفة أمثال الفارابى وابن سينا وديكارت وليبنز وغيرهم بأن الوجود له أحوال ثلاثة : (الاستحاله، الإمكان، الوجوب). فكل شيء إما أن يكون ممكن الوجود، وإما أن يكون مستحيل الوجود، وإما أن يكون واجب الوجود.
إننا بداهة نحكم بأن عالمنا هذا ممكن الوجود، إذ أن صوره وأشكاله المركبة والمختلفة وخاصة الحية منها كالنبات والحيوان فى تغير مطرد مستمر، وقد ثبت لظهور الحياة وقت محدد؛ أي أن الحياة بكل تعقيداتها أمر حادث قد جد ظاهراً.
ومن المعلوم أن لكل سبب مسبب والمسبب مسبب آخر وهكذا، ولما كان التسلسل السببي إلى ما لا نهاية منافيا للعقل وجب الانتهاء إلى مسبب أول أزلي يكون هو الذى أوجد هذه الحياة. تأمل قوله تعالى”أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ”.
إذن الكون ممكن الوجود، ولابد له من مرجح يرجح وجوده على عدمه ويخرجه من الإمكان إلى الوجود الفعلي، وهذا الموجد لا يجوز أن يكون ممكن الوجود؛ لأنه سيصبح مفتقرا إلى موجد، وسيؤدى الأمر إلى التسلسل وهذا مستحيل عقلا. أي أنه لابد أن يكون هذا الموجد واجب الوجود، ونحن نقول بأن هذا الموجد هو الله.
الآن ضع فى ذهنك ثابتا نتاج ما أسلفناه وهو أن الكون ممكن الوجود والله الموجد له واجب الوجود.
والسؤال الذى قد يتطرق له عقلك هو من أوجد الله أيضا؟ ونحن نقول بأنه يستحيل أن يكون هذا الموجد من ذات الممكن؛ لأنه إن كان من ذات الممكن لأصبح الممكن واجب الوجود ـ قد أسلفت إثبات أن الله واجب الوجود ـ وهذا تناقض؛ لأن فيه جمع بين طرفى الوجود (الإمكان والوجوب). وشأن هذا القول الذى يجمع بين طرفي الوجود فيجعل الخالق مخلوقا كشأن من قال: انظروا إلىَ، فأنا طويل وقصير فى نفس ذات الوقت، أو أننى حى وميت وقس على ذلك الكثير. وعليه فالسؤال فاسد منطقيا ولا يجوز طرحه أصلا.
اعتراضات
بقى لنا هنا أن نورد بعض ما قد يواجه هذا التفسير من اعتراض :
فرضية وجود الله ذاتها باعتباره الموجد
قد يقول لك أحدهم إننا لا نوافقك على ما تقول بأن الله هو الموجد وأننا جاريناك أصلا باحتمالية وجود الإله لنرى إلى أين ستصل فحسب، بل نحن لا نؤمن بإمكانية وجوده. والرد عليهم يخلص فى كون حاجة هذا الكون إلى الموجد هى حاجة افتقار تحتم وجود الموجد ولقد كتب فى ذلك الدكتور هشام عزمي قائلا:
إن افتقار الشيء سواءً في وجوده أو في وجود صفاته أو تصويره على صفات مخصوصة أو هيئات معينة إلى من يوجده أو يخصص له هذه الصفات أو الهيئات هو محور برهان السببية، ومدار البرهان بعدها يدور حول إثبات أن أجزاء العالم مفتقرة إلى من يوجدها أو يوجد صفاتها أو يخصصها … إلخ، من صيغ برهان السببية. عندما نأتي إلى الله عز وجل فهو ليس مفتقراً. والدليل على أنه ليس مفتقراً إلى غيره سواء في وجوده أو صفاته هو قدرته على منح الوجود والصفات للمخلوقات، فمن كان قادرا على منح الوجود لا يكون مفتقرا في وجوده ذاته إلى غيره، لأنه لو كان مفتقرا لما كان قادرا على المنح، ولو كان مخلوقا لما كان قادرا على الخلق؛ انظر الإنسان مثلا هو مخلوق، لذا هو لا يقدر على أن يخلق شيئا غيره من العدم، لماذا؟ لأنه مفتقر في وجوده ذاته إلى خالقه، فكيف يمنح الوجود لغيره؟ أما الله سبحانه وتعالى فهو الوحيد القادر على منح الوجود وإيجاد المخلوقات ، لذلك فهو غير مفتقر في وجوده إلى غيره، لأنه لو كان مفتقرا في وجوده إلى غيره، لم يكن قادرا على منح الوجود لغيره أصلا.”
أى أن الافتقار هنا كما هو موضح يحتم وجود الموجد، وليس لأننا افترضناه مسببا هكذا اعتباطا لسد الفراغ التسلسلى فى برهان السببيه.
الدليل المادى على هذا الموجد
لقد قلنا نحن من قبل بأن هذا المرجح الذى يخرج الكون من الإمكان إلى الوجود الفعلى هو الله عز وجل، ولكن هناك من يطلب الدليل المادى الدال على ذلك، وحتى لا يتسنى لأحد ما القول بأننا نفترض تلك الاعتراضات؛ لكى نخلق وهما نحاربه أقول:
إننى قد شاهدت أكثر من مرةٍ من يطلب ذلك صراحة ـ الدليل المادي ـ إذ قال اثبت ليَ الآن بتجربة أتأكد من خلالها أن الله هو الذى أوجد هذا العالم، أو أن يتساءل عن الأدلة المادية التى تثبت خلق الله للكون. ونقول لمعترضنا ذاك الآتى: هل كل شيء عندك لا يدرك إلا بالحس والمشاهدة؟ أم أن هناك أمورا قد تدرك بغير الحس والمشاهدة؟
فإن أجاب بأن الأمور لا تدرك إلا بالحس والمشاهدة بين فساد ادعائه؛ لأنه إن ظن أن الله نستطيع الكشف عنه هكذا ماديا فليضبط لنا صاحبنا هذا الزمان متلبسا تحت عدسات الميكروسكوب إن استطاع. كما أن الله يستدل عليه عقلا، لا بالتجربة، وإلا لما اختلف عن خلقه تنزه سبحانه عن ذلك فهو ليس كمثله شئ.
وإن أجاب بأنه قد تدرك أمور بغير الحس والمشاهدة أثبت لنا أنه مكابر بطرحه سؤاله ذاك وأنه لابد وأن يؤمن بأحد فروض إيجاد هذا الكون وكلها درب من دروب الغيب. وبما أنه يعترض على فرضية كون الله هو الموجد فلابد إذن أن يؤمن بأحد فرضين آخرين:
• فرضية أن المادة ذاتها هى ما تراتبت أجزاؤها وعناصرها بخاصية فيها صدرت عن إرادة منها ووعى لتتفق على صنع تنوعات هذا العالم بهذه الصور والأشكال التى نراها.
• أن كل ما فى هذا الكون من التنوعات نشأ عن طريق المصادفة حيث تجمعت مكونات المادة الرئيسية واتفق لها أن تتلاقى بالمصادفة وتتجمع على نسب وأوضاع محددة ومعينة – لا تصلح دونها لنشأة الحياة – بالمصادفة لتنشأ الحياة من هذه المصادفات.
أما الفرض الأول فلا يقول به عاقل؛ لأن المادة لا يمكن أن تملك القصد والإرادة، وأما ما جاء فى فرضية كون الصدفة قادرة على إيجاد كل هذه التنوعات فلا نفول به – وللمسألة تفصيل – لما نراه فى هذا الكون من النظم الدقيق الذى لو اختل لانهار كل شئ ويتمثل ذلك فى نشأة مجراته ونجومه وكواكبه، خاصة الأرض بكل ما هى عليه من هذا التناسق الرهيب الكافى لنشأة الحياة، بل إن الحياة فى حد ذاتها التى تحكم الانسان والكائنات بها من الإعجاز الذى يحتم علينا بالأخذ بعدم قدرية الحظ على إيجادها اعتباطا هكذا.
بل إن الانسان ذاته به من العجب العجاب! وقد صدق قوله تعالى “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاق وَفِي أَنْفُسِهِمْ”
أنتم أيضا إن كانت لكم آراء أخرى – سواء وافقت أفكارنا أو عارضتها – فشاركونا إياها بالتعليقات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق